توجعني العلاقات الإنسانية هذه الأيام. توجعني وجعًا لا يحتمل. أحسد أولئك الذين لا يحملون أحدا فوق أكتافهم و لا يحملهم أحدًا. تراودني الرغبة في الانسلاخ. ألا يعوّل عليَّ أحد و لا أعوّل على أحد. أقرر أن أبتعد. أن أقف على الحافة. حافة لا تكفي إلا لموضع قدمي. فإذا ما اقترب مني أحدهم، سقطت. و إذا ما حاولت المضي قدما نحو أحدهم، سقطت. أقرر ذلك و أبدأ في العمل عليه. في الأيام الأولى أسقط باقتدار. أقترب بكل عفوية و أسمح للآخرين أن يقتربوا. فأسقط من علِ و أتكسر. أعود لأجمعني و أقف على الحافة من جديد. أبحث عن شوارع لا تعرفني و لا تعرف عمن يحملونني فوق أكتافهم و يودّون التخلص مني. أمشي فيها. أسلّي نفسي بالحديث إليها. أحدثني باللغة الهندية التي أتقنها أنا و نفسي و ذاتي. تلك اللغة التي تشبه العربية. فأظل أتحدث، أتحدث و يستمع لي الآخرون باهتمام لأكتشف في النهاية أنهم لا يفهمون ما أتحدث عنه. فأنا لا أتحدث إلا الهندية. التي تتشابه مع العربية فيتشابه الأمر و يلتبس عليّ و على الجميع. يوجعني الغياب. ينهش روحي، لكني أقرر أن أحترفه. أحدّث نفسي أن هؤلاء الذين يسألون عن غيابي، يفعلون ذلك بمحض التعود. و إذا ما أتقنتُ الغياب، سيتقنون هم عدم السؤال. الأمر سهل. معادلة كيميائية لم أستطع يوما أن أضبطها. دائمًا ما أحمل فوق أكتافي آخرين غير هؤلاء الذين يحملونني. أكره ذلك. أقرر أن أغيب و ألا أترك أثرًا. أبحث لنفسي عن نطاق كي أشقه فيمحو أثري. لا أجد. أقرر أن أمشي بخفة فلا أترك أثرًا على الأرصفة. أكتشف أن الأمر لا يجدي. فحذائي مبلل و يترك آثارًا. يتفتق ذهني عن الطيران. أبحث عن أجنحتي. تُحدث جلبة فتلفت النظر لي. أنزعها. أقرر أن أصير فراشة. فأثر الفراشة لا يُرى. أبتسم و أرضى بهذه الفكرة. بيد أني أكتشف فجأة أن أثر الفراشة -أيضًا- لا يزول. أغضب. أجلس على الرصيف. أبدأ في البكاء و الهذي بهندية لا يفهمها غيري. يقترب مني أحدهم، يحدّثني بعربية فأرد من بين دموعي بهندية سليمة. يفهم ما يتوافق مع عربيته السليمة. يربت على كتفي. أبكي أكثر. لا أحد يتحدث الهندية مثلي. إذن فلأبتعد عن الجميع. أعود لغرفتي الباردة جدًا. اُخرج من حقيبتي بكرة الصوف. أبدأ في غزل شرنقة حول نفسي. أفشل. أنا لا أُجيد الغزل. يقولون أن الغرزة الأولى هي الأصعب. بعدها يمكنك المضي قدما. أنجح في الغُرزة الأولى. لكن الخيوط تتشابك مني تباعا و تتعقد. لا أجد غير المقص لأخرج من هذه الشرنقة الفاشلة. أقطع الخيوط. و أعاود الظهور، فتوجعني العلاقات الإنسانية و يراودني الغياب عن نفسه !
عن الوحدة و البرد و الكابتشينو
2 months ago




4 comments:
أبحث عن شوارع لا تعرفني و لا تعرف عمن يحملونني فوق أكتافهم و يودّون التخلص مني. أمشي فيها. أسلّي نفسي بالحديث إليها.... كم اتمنى !!!
يا إلهي
:|
دائمًا ما أحمل فوق أكتافي آخرين غير هؤلاء الذين يحملونني. أكره ذلك.
دايما نفسي اعرف ليه بنقرب من ناس مش متلهفين على القرب مننا في حين ان في ناس قريبة اصلا وبتتمنى قربنا اكتر
بلاقيني اقول ما هي دي الدنيا
دايما يلزمها شوية اسباب للألم
تمنياتي ليكي بعلاقات انسانية طيبة حنينة الوانها هادية ومفرحة
انتي برعتي في وصف حالة بتدور علينا كلنا
تحياتي
هل تسمحين لي أولا أن أتلصص قليلا ؟ هههه
جميلة تلك السمانيات المشرقة
لكن عندما لا يصبح الناس عبئا علينا
لا نعود بدورنا ونصبح عبئا على احد
أقدر ما تقولينه بحذر
لكنها ملكة العالم التي لا يتقن غيرا
الدائرة
لا يمكننا أن نواحه بعضنا في الطريق
هكذا نتصادم ومن ثم نفترق غاضبين
لابد من أحدنا خلف الآخر
هذه قطيعة الاستمرار في المسير أيتها العزيزة
ألا نرى وجوهنا
فقط نتبع أو نتع
دون أن نميز بعضنا
هذا الوهم الذي يمنحنا سم الأمل ممتد المفعول
أحببت أنني ولدت يوم 28 يناير
تحياتي
التواتي
Post a Comment