Wednesday, December 21, 2011

يوميات أخرى




19 ديسمبر 2011


أقرر أن أستخدم المترو عوضًا عن السيارة الأجرة كي يرى أكبر كم ممكن من الناس الشارة التي تعلو
شنطة سفري و التي كُتب عليها : يسقط يسقط حكم العسكر. أمشي بخطوات وئيدة و أنا أسحب شنطة سفري ورائي. على السلم المتحرك، يقف خلفي شخصان. أسمع أحدهما و هو يقول للآخر : يسقط حُكم العسكر. اتفضل يا سيدي. ثم يتبعها بضحكة هازئة. أستدير لهما و أرفع حاجبًا و أسأله بنبرة عالية حادة:  نَـعَـم؟ يتفاجأ من ردي. يبتسم ابتسامة صفراء و يقول : لأ ده أنا بتكلم مع الدكتور ع حاجة كده. فأخبره هازئة : على أساس يعني لما تقولي دكتور هقول إنك بتفهم إنت و هو و هَـ كِش. لأ ما أنا دكتورة برضه، بس بَفهم. فيسألني: دكتورة؟ فين إن شاء الله؟ فأُخبره أن: في مركز البحوث. فيخبرني الآخر: زمايل يعني؟. أرد عليه بنبرة عالية و حادة أن : حاشا لله. أنا عندي دم. إنتوا مفيش. يربد وجهه و يخبرني أن: اتفضلي يا دكتورة مالوش لازمة نعمل موضوع من مفيش. أرد عليه : مفيش؟!! مش بقولك أنا عندي دم و إنتم لأ.


تقف كلًا من "سمر" و "داليا" بباب حجرتي في الاستراحة و أنا أجمع ورقي و حاجاتي للذهاب معهن للمركز . تشاهد "سمر" الشارة على شنطة سفري. تقول لـ "داليا": تسنيم كمان أهي مننا.  ع العموم أنا جايبالِك كل نُسخ جرايد التحرير و الشروق عشان تشوفي الحقيقة. بَدَل القناة الأولى اللي بتتفرجوا عليها. أسألهن : مين بيتفرج ع القناة الأولى؟. تخبرني "داليا" : بابا و ماما. أهلي حزب كنبة أصلي و مواطنين شرفاء. ممنوع في بيتنا أي إعلام غير إعلامنا المصري الصادق. أضحك معها و أُخبرها أنها ليست وحدها. فـ أبي كذلك. و أمي فقط هي الثورجية اللي معانا في البيت. تضحك "سمر" و هي تسأل : أُمال إحنا طلعنا لـ مين؟



أدخل معمل الريولوجي لأسأل عن الماء المقطّر خاصتي. أسمع إحداهن و هي تتحدث للباقين عما شاهدته بالأمس في قنوات أنس الفقي و إعلام صفوت الشريف. تتهكم و هي تقول: و لما سأله المذيع إنت جاي هِنا ليه. قالّه عشان حق الشهدا. هه حق الشهدا اللي ما وراهمش غيره. فسألتها غاضبة. ليكِ أخ نزل التحرير يوم 25 يناير أو 28 أو أي يوم بعده و رِجع ع ضهره؟ قالتلي بعد الشر. فثُرت في وجهها : يبقى ما تفتحيش بُقك خالص و ما تتكلميش عن حق الشهدا. و لا أهالي الشهدا المعتصمين. فأجابتني بكل بجاحة و مين قال إنهم شهدا؟. لأبدأ أنا وصلة جديدة من الهجوم و الصراخ و الحسبنة على أمثالها الذين يُقتل خيرة أبناء مصر " و تيجي واحدة زيك في الآخر تتكلم عليهم". تبدأ الآخريات في الدفاع و تُخبرني أن : مش كلهم شُهدا يا تسنيم و فيهم بلطجية. أُخبرها أن: استنوا لما ييجي الدور عليكم. لما العسكر يدخلوا عليكم البيوت، و ينتهكوا حرماتكم و يهتكوا أعراضكم و يقتلوا عيالكم. و الدور جاي جاي.. الله كبيرو عادِل. ثم أخرج مغاضبة و أطرق باب المعمل خلفي بعنف.


في السوبر ماركت ليلًا، ينقدني الرجل الكهل الباقي و يخبرني أن: الفلوس ما عادش ليها قيمة. أتحيز الفرصة و أقول: فلوس إيه بس اللي بتتكلم عن قيمتها. إذا كُنا بنتسحل و بتنهتك أعراضنا على يد الجيش المغوار و الناس بتعيط و تولول على كتاب ما يعرفوش مين اللي كتبه أصلًا. يخبرني الرجل أن: اللي في التحرير دول شوية صيّع. أنهره و أقول بصوت محتد: اتق الله يا حاج. شايفني صايعة قدامك؟ يخبرني أن: مش البِت - في إشارة لـ غادة كمال - بتقول بقالها شهر قاعدة هناك. أخبره أن من تتحدث عنها هذه: صيدلانية. و عيب عليك اللي بتقوله ده. فيرد عليْ: مش ده اللي التلفزيون المصري بيقوله؟ هنعرف إحنا منين؟. أخبره أن: يا حاج حرام عليك حد يتفرج على تلفزيون أنس الفقي برضه؟ يسألني متعجبًا: هو مش أنس الفقي مشيّ؟. أسأله: رد عليا إنت.. هل فعلا مشي؟ لقيت فرق بين اللي التلفزيون كان بيقوله في الثورة و بين دلوقتي؟ يخبرني أن: تصدقي عندك حق يا دكتورة. أدخل له من هذه الزاوية و أخبره أن: ليس الإعلام فقط يا سيدي. هل عادت أموالنا المنهوبة؟ هل حوكم القتلة؟ هل حوكم مبارك؟ هل انتهى الفساد؟ هل انتهت البلطجة و لمّت الداخلية تعابينها؟ هل تحقق - بعد عام- مطالِب الثورة الأصلية من عيش و حرية و عدالة إنسانية؟ يخبرني الرجل بـ لا عن كل سؤال من أسئلتي هذه. أسأله متعجبة: أُمال عايزين ترجعونا من التحرير ليه؟ المجلس العسكري قرطسنا يا حاج. و "الصيّع" اللي في التحرير بيشيلوا من ع راسنا العمّة. يطلب مني أن أذهب إليه مرة أخرى لأحدثه باستفاضة. أعده أن أفعل. تُخبرني "سمر" ما أن نخرج من السوبر ماركت أني لا أُضيع وقتًا أبدًا. أخبرها أن هذا هو أضعف الإيمان.



20 ديسمبر 2011


أعرف متأخرًا عن مسيرة النساء. لا أعرف الطريق إلى نقابة الصحفيين. أبحث -في الوقت بدل الضائع- عمن يجيء معي للمسيرة فلا أجد. أُقرر أن أتجه إلى حيثما كنتُ قد عقدت النية من قبل. إلى ستنا زينب. أم العواجِز. في الوقت الذي كانت فيه "لميا" تصرخ بـ قالوا حرية و قالوا عدالة، البسوا أسود ع الرجالة. كنت أضع أنا رأسي على شباك المقام و أبكي بحرقة مُخبرةً إياها أن: هتكوا عرض البنات يا أم العواجِز. سحلوا الولاد يا أخت الحسين. حين كانت المسيرة تتقدم من نقابة الصحفيين و حتى ميدان التحرير. كنت أقرأ أنا الفاتحة للشهداء. حين علَت أصواتهن قائلة: ارفعي راسِك ارفعي راسك. ضَفْرك أشرف م اللي داسك. كنت أقرأ أنا سورة "يس" على المجلس العسكري. في الوقت الذي كانت دموعي ترفض أن تقف و أنا أذكر "الحسين" و أطلب المدد من رب جد "الحسين".  و ألا يترك هؤلاء الذين يضحون بحيواتِهم من أجل أن يقام العدل و من أجل كلمة عدل في وجه مجلس عسكري جائر. أدعو بدعاء سيدنا محمد بعد حادث الطائف و أكرر كثيرا : إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي. أقرأ سورة " الفيل" علها تحمي من في الميدان. أُصلّي على محمد و على آل محمد. أتذكر كربلاء و أبكي. أعاود الصلاة مرارا و مرارا. أقرأ الفاتحة لشهداء الثورة. منذ يناير و حتى ديسمبر. أدعو الله كثيرا و أطلب منه المدد. أخرج من المقام و أنا أبكي و أظل طوال الطريق أردد مدد. مدد.مدد يارب مدد.


في اتجاه المرج أسأل عن الباب الذي سيُفتَح في محطة التحرير. تسأل إحدى الفتيات : مين اللي نازلة التحرير؟ أسألها لماذا؟ تخبرني أن: لو رايحة الميدان خُدينا معاكِ. ثلاثة فتيات. جامعيات. إحداهن ترتدي نقاب. هي التي سألتني عن الميدان. تسألني : هو ده جيشنا فعلا؟ أخبرها أنه ليس جيشنا و أن مبارك حوّله منذ فترة لـ ميليشيات و كتائب كما فعل بشار الأسد. تهز الفتاة رأسها و تُخبرني : طب لما هُما جدعان أوي كده ما فتحوش ليه النار -اللي مفتوح علينا ليل نهار- ع اللي قتلوا زمايلهم على الحدود؟. أبتسم لها و أُخبرها أن "مبارك" اعتاد أن يُخبرهم أنهم قادة سِلم و أن لا حرب ستقوم بيننا و بين إسرائيل. و أن الحرب إن قامت سيتم تغييرهم جميعا. لذا يجب عليهم أن يدفنوا رؤسهم جميعا في التراب و أن يتحولوا على الحدود إلى نعــام.









4 comments:

dandana said...

الحمد لله الذى عافانا مما ابتلى به غيرنا

ديدي said...

تقريباً أنا كل يوم وأنا راجعة في عربيه الشغل بيدور نفس الحوار ده بيني وبين الزملاء ومع الأسف تقريباً كلهم بيقولوا : " العيال دول بتوع التحرير مش ناويين يلموا الدور، هما إيه مش عاجبهم العجب...!!! " أنا ومش بنجم نفسي زيك كده بتحمق .
وعروقي بتنفر وأقعد أقولهم علي وجهة النظر من إللي بتكتبيه إنتي ونوارة وفاتيما وناس كتير بينوروني من خالد كساب لوائل عبد الفتاح لخالد البري وعمر طاهر وغيرهم كتير أوي ، بس كأني بأذن في مالطة ، ربنا يرحم شهدائنا وينور بصيرتنا كلنا علشان مصر

نور القمر said...

شكرا لك مع تحياتى لك
نور

Ahmed Abdelhafiz said...

الانحياز للحق له ثمن في هذا الوقت لابد أن يدفعه كل ذي عقل، أما الانحياز للباطل فمجاني يسهل لا يكلف أحدا ثمنا. فطبيعي أن نرى ضعاف النفوس الراكنين إلى بيوتهم يسوقون هذه الأعذار الكاذبة الواهية للمجلس العسكري على هذه الأفعال الإجرامية بل ويلومون الثوار ويتهمونهم في وطنيتهم وشرفهم وذلك حتى لا يكلفون ضمائرهم ثمنا لا يقدرون عليه. فقط كلمتان يظن أنه بذلك قد أخلص نفسه من القضية التي هو غارق فيها لأذنيه.