مبتدأ /
لا يشغل الحيــاة متـى تعلمت المشــي,, لكنهــا تحفظ آثـار أقدامك.. لـتُريك حين تصل في أي طريق ســرت.يبدأ "
محمــد" روايته بهذه الجملة التي تُـشعرك إمــا أنه عالم ببواطن الأمـور أو أنه شخصٌ عاش ألف حياة سابقة.. و تعلم منهـا جيداً ثم جاء لنـا ليمنحنـا خبرة تلك الحيــوات.. لا تعلم المغـزى من هذه الجملة التي أبدع "
العدوي" في صياغتهــا إلا حين تنتهي من قراءة هذه الرواية التي تشدك بشغف منذ السطر الأول.. هذا إن كنت ممن يتذوقون الكلم و يستمتعــون بمن يصـوغ الكلمــات في نغـم.
أكثر ما يشدني في رواية .. و يغفر لهــا عدم ترابط النص أو الأحداث..هو التعبير البلاغي المميز.. و كم الجُمل التي أقف أمامها راغبةً في اقتباسهـا منهــا.. فكم من روايات عظيمة تركت في نفسك أشد الأثـر و لكنك و ياللأسف لم تخرج منهـا بجملة واحدة يُمكنك اقتباسهـا.. و حين تحاول الكتابة عنهــا لا تجد مقطع يُغريك بأخذه. بل هي متماسكة قائمة على الأحداث و قدرة الأديب على الإمساك بخيوط الرواية و الأبطال.
في البداية شدتني الأحداث كثيرا.. و لكني شعــرت _ أثناء القراءة_ بشيء مـا لم أستطع أن أتبين كنهه ,, فهي ليست رواية على غرار الروايات التي قرأتها و إن كنتُ لا أعلم على وجه الدقة أركان البنـاء الروائي الذي يجب توافره في أي رواية.. و لكني عرفت أنها لا تُشبه الروايات و بالرغم من ذلك أرغمتني على قرائتها حتى النهـاية و جعلتني و لأول مرة .. أُمسك في يدي قلما رصاص كي لا تتوه مني الجُمل التي أبغي اقتباسها و مشاركتها الآخرين..
توقفتُ كثيرا أمام هذا الطفل الصغير الذي بدأ علاقته مع الله حين لم يجـد سواه.. و كأن"
العدوي" يأخذنا لبداية الخلق.. و حيرة البشر و بحثهم عن إلـه حين تضيق بهم السُبل و من بعد محاولتهم للتعرف على هذا الكون الفسيح كما تريد أنفسهم التواقة للتمرد و دون تجاهل هذا الإلـه الذي لجأوا إليه حين اشتدت بهم خطوب الحياة.
"
لا أعـرف أحـداً أطلب منه المساعدة , و لا تطاوعني يدي أن أطرق باب جــار لا أعرفه. وجدتُ نفسي أتذكر _ مما تعلمناه في المدرسة_ أن الدعــاء يهبنـا ما نريد , لم أكن جربت شيئا مما أدرسه قبل ذلك,, في ذلك اليوم توضأت و صليت .. تعجلتُ الوصول إلى السجــود الذي أعلم أن الدعاء يكون فيه .. و دعــوت( يـارب ماما تعبانة قوي .. و أنا مش عارف أعمل لهـا حاجة، يارب خفف عنها و اشفيها يـارب)كررت الدعـاء بذات الصيغة وحدهـا و كنتُ كلما تكرر الدعـاء أشعر به يعلو في نفسي ,, كأن قوة مختفية فيّ تطير تريد أن تطير به عالياً"
في هذا المقطع .. خفت كثيرا من ألا يستجيب الله لدعـاء الفتى الصغير.. فينقلب إيمانه إلى شيء آخر.. و لكن هذا تأجل إلى حين .. و لم يستطع الدعـاء أن يمنع " رانيا" من الرجوع إلى البلد التي أتت منه بعد أن أتم والدها سنوات العمل في هذا البلد العربي الذي التقت فيه مع البطل.. و حينها.. كان الفتى قد ترك الطفولة البريئة و انتقل لأعتاب المراهقة و بدأ عقله يعمل.. فلم ينقلب على الله ,, بـل ظل يتسأل عن الخطأ الذي ارتكبه فمنع دعائه من الإستجـابة .. و سأل الآخرين الذين قالوا له أن الله أعلم بالخير و المصلحة و أن إجابة الدعاء لا تتم دائما على الصورة التي نرتجيهــا.. و لكن هذا لم يخفف من ألمــه و إن كان منع عنه الثورة و التمرد.
أنا لم أغترب عن وطني,, و ربما لست أعرف عن شعور المغترب و حيرته بين وطنٍ نبت بين أرجائه.. و وطن منى نفسه بالعودة إليه,,حتى إذا ما تمت سنوات الغربة وجد نفسه واقفا على حافة الهاوية .. لا يدري ما العمل..؟
"
رغم أن إحساس الغربة لم يفارقني طيلة وجودي هنـا ، إلا أنه تحوّل الآن إلى إحساس غريب .. إحساس بانتماءٍ مـا،انتماء إلى مكان لا يشبهني في شــيء"
الآن فقط أستشعر هذه المشاعر المتضاربة التي تنتاب كل من اكتملت رحلته و أصبح عليه العودة.. أعرف الآن لماذا يفرح الآبــاء بالعودة و يتكدر الأبنــاء.. و يتوجسون خيفة.
"
لم نختر نحن أي أرض ننبت فيهـا، ربما سهل على البذرة أن تنبت في مكان مـا أول مرة تأخذ شكله و تتكيف عليه .. و حين تجرب انتزاعها لتغرسها في مكان جديد,, قد تخونك و لا تثبت أو تضعف و تموت"
تبدأ الرحلة الجديدة.. من حيث انتهت الرحلة الأولـى.. تلك التي تعرف فيها البطل على الدعــاء و معنـاه .. و الفراق و ألمـه و الاغتـراب واختلاف معناه عند الناس.
"
حين تولد غريبا في بلد ,, فإن غربتك تصحبك أينما رحلت .. لا يمحوها عنك العودة حيث يدونون لك وطنا و لا البقاء حيث تُدون وهماً وطنا ليس لك"
لذا ترانا نبحث عمن هم على شاكلتنا.. لمن هم أغراب مثلنا و إن كانت غربتهم على غير غربتنـا ,, ليدرك هو و يخبرنـا نحن أن الوحدة الحقيقية حين تخونك اللغة.. حين تصبح عاجزا عن إيجاد لفظ مـا ،يشرح لك شيئا لا تفهمه.
"
إننا نتزوج بكلمة ، بل و نؤمن بكلمة ، و حين نُذنب ، مهما أذنبنا .. فإن الإستغفار لم يزل كلمة".
يرسم لنا " العدوي" بعد ذلك صورة المنصـورة.. تلك الصورة الزاهية التي يغفل عنها من يراها كل يوم.. و يراها هو بكل تفاصيلها عبر عيون بطل روايته العائد من اغتراب إلى ... اغتراب آخــر.
يحدثنــا عن ارتكان النفس و القلب لـمن يشبهه.. و إن كان البعض منــا حين يوضع في هذا الموقف فإنه يصعب عليه معرفة كنهه.. وربمــا ظن أنه حبــاً.. إلا أن ظهــور الحب الحقيقي في نفس التوقيت قد منحـه وقاية فلم يختلط عليه الأمــر.
"
بعض الناس لا يثيرون صخبـاً حولنـا، لكنهم ينتشرون في نفوسنـا من حيث لا ندري".
لتبدأ مرحلة أخــرى .. مرحلة الصراع .. ما بين العقائد التي ثبتت بالتجربة لا بالتلقين.. و بين العقل و مجادلته لنــا في محاولة للبحث عن مخرج.
و هنــا فقط تظهر قوة/هشاشة ما نحمل من عقيدة.. و هل تستطيع أن تثبت أمام القلب الذي يجادل العقل أم يتغلب عليها هوى النفس..
فـ "
لحظة اعترافك لنفسك بـحب, هي لحظة انهيار السد الكبير أمام نهر عظيم .. إما أن تكون قواربك قوية مستعدة , و إما تتحطم في لحظة".
و أنـا لن أُخبركم بما آل إليه قارب هذا الفتــى و سأترك لكم النهاية مبهمـة كما أبهمتُ الأسباب التي نتج عنهـا الصراع داخل نفسه.
خاتمــة/ أدهشتني النهــاية و أعجبتني بالرغم من كل شيء.. و ربما السبب في ذلك أنها وافقت عقلي و تفكيري و عقيدتي.. و إن خالفت نفسي التـواقة إلى حدوث المستحيـل.. و أنا ما كنتُ لأرضى أن بنهاية _ أخرى_ مفتعلة كـي توافق هوى النفس.
"
خلقت الحب ثم جـرى علينـا .. و المشيئة لكو أنت مقلب القلب الذيإن حـاد عنك هلكفإن تسأله عن ذنبفعن عفـو الرضـا سألك"
_____________
عن روايـة إشــراق لــ محمــد العدوي
الكتــابة الملونة .. مقاطع من الرواية