تقول " ميس" : إن المباني القديمة حولنا لا يجمعها طرازمعماري واحد، إنجليزية و فرنسية و يونانية ، حتى الأبنية تبدو غريبا هنا، ليست ثقافة واحدة هي التي بنت هذه المدينة.
قالت: إنه لا يمكننا أن نحب هذه الأشياء و لو كانت جميلة، لأنها علامة أن هذه الأرض كان يملكها أناس ليسوا من أهلها، حتى المباني العظيمة التي بنوها هنا لم تكن لأهلها، لم يكن الجسر المعدني الذي يربط المنصورة بطلخا، و تحمل لوحته تاريخاً من أربعينيات القرن العشرين، أو محطة القطار الصغيرة هناك، و التي تحمل تاريخا من ثلاثينياته حبا لأهل هذه المدينة ، إنما خدمة لمصلحة لهم، لو أمكنهم أن يسجنوا الفلاحين في قراهم لفعلوا.. لكن التجارة التي تدرها عليهم أراضي أولئك الفلاحين، لا يمكن سجنها معهم.
تتحدث بحماس كأنها في محاضرة حين تلمح إعجابي بهذا المكان، قلت لها : إنني لا أجد حرجا من اسم الشارع الذي يعود للمحكمة المختلطة التي كانت تفصل فيما بين المصريين و الإنجليز، لأنه لا يجوز مقاضاة الإنجليز أمام المحاكم العادية ، لقد آل ذلك كله إلى زوال,, وبقيت هذه المباني.. كما بقيت الأهرام و لم يبحث أحد في أجور العمال الذين بنوها، وكما بقيت مساجد المماليك و الفاطميين و لم يسأل أحد عن بيوت الفقراء الكثيرة التي هُدمت لتُشيد مكانها تلك المساجد ، و لا إن كانوا قد عوضوا عنها أم لا.
قالت: و ما قيمة بيوت الله حين تبنى على بيوت البشر المهدومة؟
-" ليست للمسجد وقتها قيمته التعبدية في الحقيقة، إنما قيمته تاريخية ، قيمة دعائية ، إن الأمم التي تتميز بهيئة أبنيتها,, تصنع حياة خالدة من الصخر في أروقة التاريخ .. البشر هم من يرحلون، يموت الظالم كما يموت المظلوم الذي يموت معه ظلمه الذي عاناه و لا يبقى لنا منه أثر,, لكن هذه البنايات باقية .. تحكي الكثير,, حتى إن حكت عن هذا الظلم فإنها تحكيه بثيابه الجميلة . .
تحكيه دون ألـــم.
أُطالع النوافذ العالية و الشرفات الواسعة و أنا أقول :" إن الذين سكنوا بيوتا بنيت لتشارك الحياة ضوء الشمس، بنوافذها الكبيرة و شرفاتها العالية، لا يمكن أن يكونوا كالذين يعيشون في حجرات ضيقة بعضها فوق بعض".
_________________
من رواية إشــراق لــ محمد العـدوي
كوبري طلخــا سنــة 1913
قالت: إنه لا يمكننا أن نحب هذه الأشياء و لو كانت جميلة، لأنها علامة أن هذه الأرض كان يملكها أناس ليسوا من أهلها، حتى المباني العظيمة التي بنوها هنا لم تكن لأهلها، لم يكن الجسر المعدني الذي يربط المنصورة بطلخا، و تحمل لوحته تاريخاً من أربعينيات القرن العشرين، أو محطة القطار الصغيرة هناك، و التي تحمل تاريخا من ثلاثينياته حبا لأهل هذه المدينة ، إنما خدمة لمصلحة لهم، لو أمكنهم أن يسجنوا الفلاحين في قراهم لفعلوا.. لكن التجارة التي تدرها عليهم أراضي أولئك الفلاحين، لا يمكن سجنها معهم.
تتحدث بحماس كأنها في محاضرة حين تلمح إعجابي بهذا المكان، قلت لها : إنني لا أجد حرجا من اسم الشارع الذي يعود للمحكمة المختلطة التي كانت تفصل فيما بين المصريين و الإنجليز، لأنه لا يجوز مقاضاة الإنجليز أمام المحاكم العادية ، لقد آل ذلك كله إلى زوال,, وبقيت هذه المباني.. كما بقيت الأهرام و لم يبحث أحد في أجور العمال الذين بنوها، وكما بقيت مساجد المماليك و الفاطميين و لم يسأل أحد عن بيوت الفقراء الكثيرة التي هُدمت لتُشيد مكانها تلك المساجد ، و لا إن كانوا قد عوضوا عنها أم لا.
قالت: و ما قيمة بيوت الله حين تبنى على بيوت البشر المهدومة؟
-" ليست للمسجد وقتها قيمته التعبدية في الحقيقة، إنما قيمته تاريخية ، قيمة دعائية ، إن الأمم التي تتميز بهيئة أبنيتها,, تصنع حياة خالدة من الصخر في أروقة التاريخ .. البشر هم من يرحلون، يموت الظالم كما يموت المظلوم الذي يموت معه ظلمه الذي عاناه و لا يبقى لنا منه أثر,, لكن هذه البنايات باقية .. تحكي الكثير,, حتى إن حكت عن هذا الظلم فإنها تحكيه بثيابه الجميلة . .
تحكيه دون ألـــم.
أُطالع النوافذ العالية و الشرفات الواسعة و أنا أقول :" إن الذين سكنوا بيوتا بنيت لتشارك الحياة ضوء الشمس، بنوافذها الكبيرة و شرفاتها العالية، لا يمكن أن يكونوا كالذين يعيشون في حجرات ضيقة بعضها فوق بعض".
_________________
من رواية إشــراق لــ محمد العـدوي
كوبري طلخــا سنــة 1913

























0 comments:
Post a Comment