Friday, March 2, 2012

هـيّ و أنـا


         
 

  إلى / تسـنيم فهـيد          

إيه اللي ممكن تعمله الدنيا
 لبنت عايشة ف الغياب بـ رُوحين
 بذكريات مؤلمة من كُـترها نِسيتها
 و حبة قصايد متبعترين بيبرروا وجودها..

 إيه مثلا؟

 تِحضرْلها الغايبين في شوق كـ الضيّ؟
 تفرّحها / تبكّيها من الفرحة
 هو البُكا موصوف لها في أحسن الأوقات/ في أصعب الأوقات ؟


 إيه اللي ممكن تعمله الدنيا
 لـ بنت لـ بعض الوقت تشبهها
 أمي تفسر حلمها "البنت جوة الحلم دنيا"
 والدنيا برة الحلم مش زي البنات
 مالهاش سكات
صبرُهم..
و لا فرحة المواعيد
مش صافية زي أول يوم يروحوا المدرسة
 و لا ليها دقة قلب في الخطوة
 بتكعبل الفساتين ..
  و لا بتضحك و لا بتبكي
 و لا بتشتاق لـ لِعب "الأولَى" ف الشارع
 و لا بتخاف من الضلمة ..
 و لا بتمسك ف إيد النور ..
 هيّ / طبق بنور يدور بيهم
 يفرّح قلبهم حبّة و يبّكيهم
 ما تِشبهش البنات خالص
 و "أمي" خايبة في التفسير..

إيه اللي ممكن تعمله الدنيا
 لـ بنت في كل الوقت تشبهني.. أنا
 هي و أنا إن نختلف ف الاسم
بيجمعنا الضمير والبوح
ليها نفس الروح معاندة
 نفضح الحُزن ف قصايد
 و لا ننبهر من فرحة الفراشات
 كله زي الطيف.. تقرب يختفي
 أحزن / تقاوم / ننطفي
واحد
 كله جوة الغربة واحد
 كله برة الدنيا بيتوه ف الغياب !

Wednesday, February 29, 2012

..عميقٌ في دمـي



ينخر البرد عظامي و يحتل روحي. أستعين عليه بكثرة الأغطية و أقراص الدواء. لكنه.. يذهب عميقا في دمي !

Tuesday, February 28, 2012

..مُفردات مفقودة




أودّ أن أكتُب نَصًا مليئًا بالفراشات و شجر اللوز و النجوم الصغيرة..
غيرَ أني لا أملُك هذه المفردَات في جعبتي !

Saturday, February 25, 2012

! عن الحضن المُرتجى و المُتاح و المُفتَقد

(1)

تقف على رصيف المترو أو القطار - لا يهم-. تحدّق في الفراغ و تبتلع كل الأفكار التي يمكنها أن تجتاحها في لحظة كهذهْ. يقترب منها في خطوات واثقة. يرتدي معطف طويل أسود اللون أو رماديّ -لايهم-. يضع يده على كتفها. تلتفت إليه. يحتضنها في حركة مباغتة. حضن تعرفه جيدًا. يلائمها تمامًا. يحتويها فتضيع فيه. تشد يديها حول خصره، و تدفن رأسها في عنقه. تبكي. تبكي بشدة سامحةً لكل ما يعتمل بداخلها أن يتحرر. تبكي فقط. دون التفكير في شيء إلا التخلص من أرطال البكاء التي تُثقل روحها المُتعبة. تبكي و تُنهنه كما الأطفال الصغار. تبكي. يربت على ظهرها ربتات صغيرة مُطمئنة. تُغلق أصابعها على معطفه و تحتمي فيه أكثر. في النهاية -لابد لكل مشهد و أن تكون له نهاية- تتوقف عن البكاء و تُرخي يديها. يتركها هو. ينظر لها بابتسامة دافئة و يربت بيده على خدها و يمضي كما جاء من العدم. تتنفس بعمق و امتنان. تستدير لتواجه قضبان المترو أو القطار -لا يهم-.

(2)


اعتادت أن تُفاجئها صديقة على حين غرة في المطبخ -حيث سكن الطالبات- أو في فناء الجامعة أو في مقر الجمعية الخيرية - لا يهم- لتسألها : ممكن حضن؟. لتبتسم و تترك ما في يديها و تذهب كي تمنح الآخرين هذا الحضن الذي يحتاجونه. كانت تُجيد مَنح الأحضان لأنها وقتها كانت تمنحها فقط. تمنحها دون أن تحتاج إليها. الآن، و بعدما صارت تحتاجُها. لم تعد تشعر بنفس الطاقة أو الارتياح اللذين كانا يعتريانها في كل مرة يطُلب فيها منها حُضن و تمنحه. الآن، و لأنها تعرف معنى الحاجة. لم يعد يعطيها المَنح أية رضا. فأنت لا يمكنَك أبدًا أن تمنح و أن تريد. حقيقة.ـ

(3)

حضن تَسمَرت فيه و لم تستطع أن تُبادله. حضن لا تنساه أبدًا. فقط لم تعد تريد أن تذْكرَُه. حضن، كانت تظن أنه سيمحو كل المسافات و يُنبت بداخلها شجرة ورد. لكنه -و ياللعجب- لم يترك لها إلا شجرة صبّار تنمو أشواكها كل صباح و تقتات جذورها على روحها المُتعبة. حضن لازلت تفتَقدُه لكنها تأمل -بعد اليوم- ألا تتذكَرُه. 

Wednesday, February 22, 2012

عن انكسار الروح و ذَهاب الضيّ



تحذير لا معنى له / النص عبارة وجعٌ مُصَفّى 


في كل مرة يُخبرني فيها أحمد أنْ: أنا نازل خلاص. أرد عليه بجملة واحدة: طب يا حبيبي خلّي بالك من نفسَك. لا يهتم "أحمد" بالتأكيد أنه سيفعل. و لا أظن أنه يضع كلماتي في الاعتبار. على أساس أنها جملة اعتيادية أرد بها في كل مرة. لا يعرف "أحمد" أنها ليست اعتيادية و أني في كل مرة أُخبره فيها أنْ: يخلّي باله من نفسه. أعني ما أقول. و أني أتوقف لبرهة بين مقولتي هذه و بين طرقة الباب من خلفه لأستودعه الذي لا تضيع عنده الودائع. لا يعلم "أحمد" أنه أول أبنائي -الذين لا زالوا في علم الغيب- و أحبهم لقلبي. و أني لا أحبه و أخاف عليه -كما كنتُ أظن- كجزء من حبي لأمي التي تُحبّه. بل أحبّه و أخاف عليه لحبّي له و لكونه -فعلًا- أول خلفْتي.



أخبر "أحمد" أني أُريد أن أنام. لا يمانع في إغلاق الضوء. فبعد قليل سينام هو الآخر. فـ دور البرد قد استهلكه تمامًا. غير أنهُ ينتظر انتهاء المبارة ليعلم النتيجة. أفتح تويتر من الموبايل لأنشغل فيه قليلًا قبل النوم. تبدأ التويتات عن مذبحة بورسعيد. أغادر السرير و أذهب لغرفة أمي حيث برامج الأخبار على شاشة التلفزيون. أُخبرها عما يُقال. تخبرني أن الماتش انتهى و لا شيء من هذه الأقاويل و أننا لا شك نُبالغ. أفتح اللاب و أتسمّر أمامه. أكتشف أنها ليست أقاويل. في الاستاد على بُعد ربع ساعة من منزلنا. تُقام مجزرة لا يعلم عنها أهل البلد شيئا. نتصل بإخوتي الموجودات في الشارع. يخبرننا أنهن لا يعرفن عن ماذا نتحدث. فالحياة طبيعية في الشوارع و لا أثر شيء غريب. فقط "تويتر" هو البقعة الساخنة. و كأن "استاد بور سعيد" يقع في منطقة نائية منفصلة عن المدينة التي كانت تتنفس بتلقائية و طبيعية وقت المجزرة. تتنفس -فقط- لأنها لا تعلم شيئا، لا لأنها تعلم و تغض البصر.



أهرع لارتداء ملابسي كي أذهب للتبرع بالدم. فالمجزرة قد انتهت في ثوانٍ كما بدأت في ثانية. ولم يبقَ إلا لمّ الأشلاء و التبرع بالدم. أقود السيارة في الشوارع المؤدية للمستشفيات العامة. أمر من أمام "الاستاد" حيث أُزهقت أرواح ستُسأل عمّا جنَت فلن تُجيب. لا حياة في الشوارع. الساعة العاشرة مساءً و لا ازدحام. فقط أمام الاستاد يتناثر الأهالي. يبدأون في سرد تحليلاتهم الشخصية و اختلاق تفاصيل لا يعلمون عنها شيئا. أدلف لمستشفى المبّرة. لأجد الكثير و الكثير ممن هرعوا للبحث عن أبنائهم و لا يعرفون عنهم شيئا. كل ما يعرفون أنهم كانوا في الماتش. فقط رجلاً كبيرًا ، يسب الدين للمشير و لحكم العسكر. يبكي بحرقة و هو يردد: "البلد دي طول عمرها مظلومة، و كأن الحطّ عليها عهد واخدّينه اللي بيحكموا البلد ع نفسَهم. طب احنا و خَدْنا ع الظلم. لكن العيال اللي زي الورد دي ذنبها إيه يا طنطاوي يا ابن الوسخة؟! ، هنقول لأهاليهم إيه؟ دول كانوا بيشجعوا في ماتش كورة يا كافر يا ظالم". أعود للسيارة كي أذهب لبنك الدم الرئيسي. تقترب سيدة في الأربعينات. تسألني : رايحين فين يا بنتي؟ أخبرها أن: إلى المستشفى الأميري. تطلب مني أن آخذها في سكتي إلى المستشف العسكري. حيث لا سيارات أجرة في الشوارع و لا يحزنون. أفتح باب السيارة و أطلب منها الدخول. تُخرج هاتفها المحمول و تُخبر أحدهم أنها لم تجدُه في مستشفى المبرة و أنها ذاهبة الآن إلى المستشفى العسكري. و ليذهب هو للبحث في المستشفى الأميري. أسألها عمن تبحث. تُخبرني أن: ابني كان في الماتش و موبايله مقفول من ساعتها. اتصلت بأصحابه. قالولي افترقنا ساعة الضرب. و مش عارفة هو فين يا بنتي. أبدأ في الدعاء لها أن يطمّنها الله عليه و أن تجدُه. تسألني عمن أبحث. أخبرها أني فقط ذاهبة للتبرع بالدم. أتركها أمام المستشفى العسكري و أنا أمنع نفسي من سؤالها عن رقم هاتفها كي أطمئن فيما بعد عن ابنها. أمتنع عن ذلك، لأن طاقتي قد نفذت من أمدٍ بعيد و لأني لا أريد أن أضيف لكاهلي عبء جديد ، حين أشخصن المجزرة في شخص ابن السيدة التي حملتها للبحث عنه.




لم أخبر أحدًا من قبل. أني في كل مرة كنت أعاني فيها من اضطرابات نوم. كنت أفتح عيوني على اتساعها و أخبرني بصوتٍ عالِ أن: ماما و بابا نايمين في الأوضة. و منة رجعت من الكلية و نايمة في سريرها. و أحمَد رجع من الشغل و بيلعب على اللاب برة. كلنا في البيت. لو نمتي مش هيفوتِك حاجة. كلنا كويسين و نومِك دلوقتي مش خطيئة و لا ذنب هتفضلي تكفّري عنه. أردد على نفسي هذه الكلمات و أغمض عيني سريعًا. قبل أن تبدأ الهواجس في الرد عليّ لتُخبَرني بكل ما حدَث في غيابي أو عدم انتباهي. أُغمض عيني سريعًا و أنا أرد على نفسي أن هذه هي دائرتي الأقرب و الأهم و أنه لا يسعني و لا يسع أي شخص أن يُدخل العالم بأسره في دائرته حتى ينام. أفعل ذلك و أُجبر نفسي على التوقف عن الشعور بالذنب لأن مينا دانيال تم دهسه بمدرعة الجيش و أنا نائمة في القاهرة على بعد خطوات من ماسبيرو و لم أعلم شيئا عن المذبحة إلا في اليوم التالي. و أعلم أن استيقاظي ما كان ليدفع الموت عن مينا. غيرَ أن النوم في هذا الوقت تحديدًا -و في كل وقت فيما بعد- صارَ ذنبًا لا يُغتَفر.



أعود للبيت بعد فشلي في التبرع بالدم. فالأطباء يفضّلون دم الذكور عن الإناث لأسباب طبية بحتة. أعود فلا أجد أحمد في سريره. أسأل عنه. فيُخبرونني أن "وسام" اتصل به كي ينزل للبحث معه عن صديقٍ له اسكندراني كان معه في الاستاد و افترقا وقت المجزرة. يهاتفه أبي ليسأل عنهم. يُخبرهُ " أحمد" أنهم وجدوه. في مستشفى آل سليمان. ميّت. يتردد صوت أبي دائمًا في أذني و هو يعاود السؤال : ميّت؟!. أتسمّر في مكاني. أتذكر السيدة التي حملتها منذ دقائق للبحث عن ابنها. أتذكر رفضي لشخصنة المجزرة. لأكتشف أن المجزرة رفضت إلا أن تتشخصن و تدخل دائرتي رغمًا عني. أهز رأسي في استنكار و أنا أردد: طب هنقول إيه لأهله؟ هنقولّهم إيه؟. لأكتشف فيما بعد ، أننا لن نقول شيئًا لأهله. لأن "محمود غندور" يتيم الأب و الأم. و لأن الكلمات كل الكلمات تصبح داعرة و مبتَذلة في مثل هذه المواقِف.



أتأمل صوري الأخيرة. أتألم جدًا لأن الوهج المميز الذي لطالما أطل من عيوني قد اختفى تمامًا. أعود للصور التي سبقت هذه الصور لأبحث عن تاريخ اختفاء الضيّ. أكتشف أن 2011 هي ما فعلت بي ذلك. ذهب الضيّ الذي لطالما تباهيتُ به. ظلت الابتسامة الواسعة التي تشي عن أسنان مصفوفة. لكن ذهاب الضيّ يفضح مدى زيفها. ذهب الضيّ دون أن أن يُخبرني بلحظة رحيله كي أودّعه. أكتشف أنه لم يفارقني برغم كل الإخفاقات و النكبات الشخصية التي مُنيت بها قبيل 2011. أكتشف أنه رحل حين انكسر الحلم على صخرة الواقع المرير. أتذكر قولي لـ "يسري" أني لا أريد أن أكتب "انكسار الروح" الخاصة بي. أتذكر ردّه: بأنه من الواضح أننا كلنا سنكتب "انكسار روحنا" و "شرق نخيلنـَا". أُخبر نفسي أني لن أفعل. سأتوقف عن الكتابة. فلتذهب هي الأخرى كما ذهب الضيّ. لكن 2011 التي سلبتني الضيّ لا تقرر أن تسلبني الكتابة.



أسحب شنطة سفري الضخمة ورائي. أمشي في شوارع وسط البلد. أتسمّر و أنا أرى وجهه يطل من على الحيطان ليُخبرَني أنه بطّل يشجّع خلاص. أود أن أصرخ و أن أُخبرَهُم أني أعرف. فأخي هو من كان يبحث عنه حتى وجده و أخبرنا أنه لن يُشجّع بعد الآن. أنظر لصورته. أود أن أسأله عن طعم الرُز و الملوخية في الجنة. لكني لا أفعل. فقط يتآكلني ذنب المرات التي أكلت أو طبخت فيها رُز أبيض و ملوخية، في حين كان "غندور" يمازح أصدقاءه باحثًا عن بيتٍ يتبناه كي يأكل فيه رُز أبيض و ملوخية. لا أهتم للمرات القادمة التي سآكل فيها الـ رُز و الملوخية. فهو الآن يأكلها في الجنة من صنع يديّ أمه. فقط أنا أشعر بذنب المرات التي سبقت رحيلُه.




أستيقظ من النوم على صوت العصافير. أنهض لأضع لهم الأكل و أٌخرجهم إلى البلكونة. أعود للسرير. أستيقظ بعد 4 ساعات أخرى.أذهب كي أضع لهم وجبة أخرى. أتسمر و أنا أرى أحدهم على أرض القفص ميّت. قتلته العصفورة الأم. بلا سبب. أتذكر أنها في اليوم السابق انقضّت على آخر غيرَ أن أمي أنقذته منها و نقلته لقفصٍ آخر. هذه المرة. استفردت بـ " فزاع" فعلت ذلك بعدما أخرجْتهم في الصباح. أرفع جسده من أرضية القفص. لتتوقف أنفاسي أمام الإصابات البشعة التي مُنيّ بها. أبكي لأنه لم يستطع أن يدفع عن نفسه. و لأنه لا شك بحث عمن ينقذه من منقار الحدأة أمه التي لم تتوقف حتى قتلتله. أنظر لباقي العصافير و أشعر أني أكرههم لأنهم لم يدفعوا عنه الأذى. تقتلني فكرة أنه مات حين عُدت أنا لنومي آمنة. أكره الآن -في المطلق -فكرة النوم. أكرهها برغم أني أعلم جيدًا أن استيقاظي لن يمنع شيئًا. فأنا أقل من أمنع شيئا أو أوُقفُ ضرارا. لكنه النوم. يُصر أن يصبح ذنبي الذي لا يُغتَفَر.




 في اليوم التالي لمذبحة الاستاد و أثناء ذهاب المسيرات نحو وزارة الداخلية. هرعت لإغلاق التلفزيون و الموبايل و دخلت سريري و أنا أردد لنفسي و للآخرين. هنام بسرعة قبل ما المذبحة تبتدي. أفعل ذلك عن عمد. أذهب للنوم كي أنفصل عن فعل الموت الذي يمارَس على يد المجلس العسكري بكل أريحية. أدّعي أني لو نمت و لم أعلَم شيئا، ربما لن يموت أحد. أدّعي لنفسي ذلك و كأن الجهل بالشيء ينفي وقوعه. في كل مرة أقرر أن أغربل دائرتي و ألا أهتم لأحد خارجها. يصر العالم على أن يمتد ليدخل هذه الدائرة. في كل مرة أدّعي فيها أني لن أهتم لأحد/لشيء بعد الآن. أفشل و أعود لأرتكب إثم الاهتمام عن قصد أو عن غير. في كل مرة نكره فيها الحياة. تُخبرنا الحياة أن ليس لنا من الأمر شيء. هي وحدها من لها القرار. و هي لم تملّنا بعد !ـ



 

Friday, February 3, 2012

..تبقى السلامة خجل


حين تُصبح كل الكلمات عاهرة/ داعرة أمام نظرة هذا الأب المكلوم..


Tuesday, January 31, 2012

..تطهـر



أنتظر حتي أنام. أنهض بهدوء. على الضوء المنساب من خارج الغرفة، أمد يدي نحو صدري و أخرج قلبي. أمشي على أطراف أصابعي نحو الحمام. أضعه في دورق زجاجي. أفتح عليه الصنبور. أنتظر حتى يصبح الماء شفافا. أرفع الدورق بعيدا عن متناول الأطفال و القطة. أغلق الباب خلفي. أعود لسريري. أندس في جسدي و أتظاهر بالنوم و كأني لم أفارقني. في الصباح، أشعر بخفة لا أدري لها سببا. أتجه نحو باب الحمام المغلق. أقف أمام المرآة. ألاحظ أن قلبي ليس مكانه. أبحث حولي فأرى الدورق. أمد يدي لألتقط قلبي نظيفا يتساقط منه الماء. أعيده لموضعه و أبتسم لنفسي و أتمتم لي : صباح الخير..!

Saturday, January 28, 2012

..لا يُرى و لا يزول



photographer: Anka Zhuravleva


توجعني العلاقات الإنسانية هذه الأيام. توجعني وجعًا لا يحتمل. أحسد أولئك الذين لا يحملون أحدا فوق أكتافهم و لا يحملهم أحدًا. تراودني الرغبة في الانسلاخ. ألا يعوّل عليَّ أحد و لا أعوّل على أحد. أقرر أن أبتعد. أن أقف على الحافة. حافة لا تكفي إلا لموضع قدمي. فإذا ما اقترب مني أحدهم، سقطت. و إذا ما حاولت المضي قدما نحو أحدهم، سقطت. أقرر ذلك و أبدأ في العمل عليه. في الأيام الأولى أسقط باقتدار. أقترب بكل عفوية و أسمح للآخرين أن يقتربوا. فأسقط من علِ و أتكسر. أعود لأجمعني و أقف على الحافة من جديد. أبحث عن شوارع لا تعرفني و لا تعرف عمن يحملونني فوق أكتافهم و يودّون التخلص مني. أمشي فيها. أسلّي نفسي بالحديث إليها. أحدثني باللغة الهندية التي أتقنها أنا و نفسي و ذاتي. تلك اللغة التي تشبه العربية. فأظل أتحدث، أتحدث و يستمع لي الآخرون باهتمام لأكتشف في النهاية أنهم لا يفهمون ما أتحدث عنه. فأنا لا أتحدث إلا الهندية. التي تتشابه مع العربية فيتشابه الأمر و يلتبس عليّ و على الجميع. يوجعني الغياب. ينهش روحي، لكني أقرر أن أحترفه. أحدّث نفسي أن هؤلاء الذين يسألون عن غيابي، يفعلون ذلك بمحض التعود. و إذا ما أتقنتُ الغياب، سيتقنون هم عدم السؤال. الأمر سهل. معادلة كيميائية لم أستطع يوما أن أضبطها. دائمًا ما أحمل فوق أكتافي آخرين غير هؤلاء الذين يحملونني. أكره ذلك. أقرر أن أغيب و ألا أترك أثرًا. أبحث لنفسي عن نطاق كي أشقه فيمحو أثري. لا أجد. أقرر أن أمشي بخفة فلا أترك أثرًا على الأرصفة. أكتشف أن الأمر لا يجدي. فحذائي مبلل و يترك آثارًا. يتفتق ذهني عن الطيران. أبحث عن أجنحتي. تُحدث جلبة فتلفت النظر لي. أنزعها. أقرر أن أصير فراشة. فأثر الفراشة لا يُرى. أبتسم و أرضى بهذه الفكرة. بيد أني أكتشف فجأة أن أثر الفراشة -أيضًا- لا يزول. أغضب. أجلس على الرصيف. أبدأ في البكاء و الهذي بهندية لا يفهمها غيري. يقترب مني أحدهم، يحدّثني بعربية فأرد من بين دموعي بهندية سليمة. يفهم ما يتوافق مع عربيته السليمة. يربت على كتفي. أبكي أكثر. لا أحد يتحدث الهندية مثلي. إذن فلأبتعد عن الجميع. أعود لغرفتي الباردة جدًا. اُخرج من حقيبتي بكرة الصوف. أبدأ في غزل شرنقة حول نفسي. أفشل. أنا لا أُجيد الغزل. يقولون أن الغرزة الأولى هي الأصعب. بعدها يمكنك المضي قدما. أنجح في الغُرزة الأولى. لكن الخيوط تتشابك مني تباعا و تتعقد. لا أجد غير المقص لأخرج من هذه الشرنقة الفاشلة. أقطع الخيوط. و أعاود الظهور، فتوجعني العلاقات الإنسانية و يراودني الغياب عن نفسه !



..تخلّي




حين تأخذ الكتابة صف الحظ. لا أملك إلا أن أسبّهما و أمضي..!

Sunday, January 8, 2012

..مسكونة بـ الوجع

BY : Arunas Rutkus



تطلب مني ألا أبتعد. أُخبرها أني لا أفعل ذلك عن عَمد. هناك شيء ما خفيّ يدفعني للابتعاد. يجذبني نحو التشرنق. و أنا ليس بي طاقة للمقاومة. تطلب مني أن أقاتِل. أُخبرها أن الأمر أكبر مني. الشرنقة هي الأخرى بها قوى مغناطيسية تجذبني. فأنا بين قوتين. إحداهما دافعة و الأخرى جاذبة و أنا لا أمتلك إلا رغبة مهترئة لا يمكنها مواجهة كل هذه القوى. فيُصبح الاستسلام هو الحل الأمثل. و لكن حتى الاستسلام لا يمد لي يده.


يسألني : "فيه إيه؟". تبدأ الدموع في التحرك. أبتلع الإجابات و أردد أن " أنا أصلا كويسة". غير أن هذه البرمجة لم تعد تُجدي معي نفعا. أحاول أن أبتلع الدموع و أنجح. أتذكر فجأة أني لا أفعل شيئا منذ فترة سوى ابتلاع الدمع. أبتلعه بصورة روتينية. أبتلعه بكميات كبيرة. أبتلعه و أبتلعه و أبتلعه. حتى أظن أني سأشرق بدمعي عما قريب.


تطلب مني زميلتي أن أغادر بورسعيد قبل موعد الامتحان بوقتٍ كاف. تبتسم في وجهي و هي تُخبرني أن "خلاص د.محمود مات، و محدش لو البيجو عِطل بيكِ  هيوقف الكلية على رِجل و يخلّيهم يأجلوا اللجنة". أهز رأسي في ألم و أعدها أن أفعل. فمنذ مات د.محمود، و أنا أعرف أن "ما عادليش حَد في الجامعة". و كأنه كان أبي الحقيقي. و كأن الجميع يعرف ذلك و يعرفون أني صرتُ بموته .. يتيمة.


أستيقظ على مكالمة تُعلمني أن الفرجة التي اصطنعناها -بأعجوبة- في جدارٍ ما على أمل أن يتسرب منها النور ورائها حائطُ منيع. يحجب الدنيا و ما فيها. يسقط في يدي. تمر أمام عيني محاولاتنا المستميتة لصنع هذه الفرجة. ألوم نفسي لأني أجهدتني في محاولات بائسة. أسألني متى تستسلمين؟. الأمر مفروغ منه. العام الذي فيه يعصرون لن يجيء. توقفي.توقفي.توقفي. التوقف أسهل من المحاولة.لكن.. التوقف ترف لا أستطيعه.


 تواسيني و تُخبرني أن الله يؤجل أمنياتنا و لا ينساها. أخبرها أن الأمنيات إذا ما تأخرت تغيرت طبيعتها و إذا ما جاءت لاحقًا تجيء بلا طعم أو فرح. تُخبرني أني أقول ذلك فقط لأني لم أحظى بعد بأمنية مؤجلة. لا أصدّقها. أعرف نفسي. فأنا أزهد فيما كنت أرجوه باستماتة في الأمس إذا ما جاء اليوم. أعرف نفسي جيدًا و لكني رغمًا عني لا أتوقف عن رص ليستة الأماني كل يوم !